حسن الأمين
223
مستدركات أعيان الشيعة
وهذه الكلمة مصدر جعلي من قولهم : « بلا كيف » وقد استعمل السلفيون من العامة ذلك ، حيث أثبتوا لله - جل وعلا - أعضاء ، كاليد ، والرجل ، والعين ، وسائر الجوارح وهكذا الاستواء ، والنزول ، وما أشبه . وخروجا عن تشبيهه تعالى بالخلق ، قالوا : إن هذه الأعضاء هي « صفات » خبرية لله تعالى شانه . وإذا سئلوا عن حقيقة هذه الصفات ؟ قالوا - مثلا - : لله يد بلا كيف . وقد اشتهر عنهم قولهم : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة ( 1 ) فالبلكفة « من مصطلحات الصفاتية ، وقد أصبحت عقيدة الأشاعرة من بعدهم ، وصار مذهبا لأهل السنة ، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية ( 2 ) فقد تهربوا من الإجابة بتكميمهم الأفواه ، وتستروا عن التشبيه الذي تدل عليه أسماء بادعائهم « اللاكيف » . ولذلك قال الشاعر فيهم : قد شبهوه بخلقه وتخوفوا خوف الورى فتستروا بالبلكفة لكن الدواني غالط ، واعتبر قول القائل : « لا كالأجسام » بلكفة ، مع أن المنفي في هذه المقولة ليس هو الكيف ، وإنما المنفي صريحا هو التشبيه ، ومع ذلك فالدواني يعتبر المقولة « تشبيها » . فما أوضح هذا التهافت ؟ ! وإذا كان لفظ « جسم » بمعنى « شيء » دلت المقولة على ما تدل عليه الآية الكريمة : * ( ( ليس كمثله شيء ) ) * ( سورة الشورى ( 42 ) الآية ( 11 ) ) - كما سبق أن شرحناه - فهل يعتبر الدواني هذا - أيضا - بلكفة ؟ ! 6 - وصرح ابن حزم بان المقولة لا مانع فيها إلا من جهة توقيفية الأسماء ، فقال : ومن قال : إن الله تعالى « جسم لا كالأجسام » فليس مشبها ( 3 ) لكنه ألحد ( 4 ) في أسماء الله تعالى : إذ سماه عز وجل بما لم يسم به نفسه ( 5 ) وقال : إن قالوا لنا : إنكم تقولون : إن الله عز وجل حي لا كالأحياء ، وعليم لا كالعلماء ، وقادر لا كالقادرين ، و « شيء لا كالأشياء » فلم منعتم القول بأنه « جسم لا كالأجسام » ؟ . قيل لهم - وبالله التوفيق - : لولا النص الوارد بتسميته تعالى بأنه حي ، وقدير ، وعليم ، ما سميناه بشيء من ذلك ، لكن الوقوف عند النص فرض ، ولم يأت نص بتسميته تعالى « جسما » ولا قام البرهان بتسميته « جسما » بل البرهان مانع من تسميته بذلك تعالى . ولو أتانا نص بتسميته تعالى « جسما » لوجب علينا القول بذلك ، ركنا - حينئذ - نقول : إنه « . . . لا كالأجسام » ( 6 ) وهذا صريح في أن المانع من إطلاق لفظ « جسم » هو التوقيف ، لعدم وروده في النص ، وأنه لو أطلق لزم إضافة ذيل المقولة عليه . وأما قوله : بل البرهان مانع من تسميته بذلك تعالى ، فليس بصحيح : أولا : لو كان هناك مانع غير التوقيف ، لما صح إطلاقه عليه تعالى بمجرد ورود النص به ، كما فرضه هو . وثانيا : إن البرهان لا دخل له في أمر الألفاظ والتسميات ، لأن ذلك من شؤون اللغة والوضع ، لا البرهان والعقل ، كما سيأتي توضيحه في مسألة توقيفية الأسماء ، إن شاء الله . ثم إنا لم نقف على برهان عقلي على عدم صحة إطلاق اسم « الجسم » عليه تعالى ! نعم ، قد تم البرهان على نفي التجسيم عنه تبارك وتعالى ، وأين هذا من التجسيم اللفظي ! ؟ . والحاصل : أن المقولة لا تدل على التجسيم ، بل تدل على التنزيه عن حد التعطيل ، وعن حد التشبيه ، فإطلاق النفي في قوله « لا كالأجسام » صريح في نفي كل أشكال التماثل والمشابهة بين البارئ تعالى وبين الخلق ، وهذا بنفسه قرينة على صرف معنى « الجسم » عن المفهوم اللغوي والعرفي ، إلى مصطلح هشام ، وإرادة « الموجود » أو « الشيء » أو « القائم بالذات » فلا تكون المقولة إلا تعبيرا عن إثبات وجود البارئ ونفي كل تشبيه بخلقه عنه . وقد احتوى أقدم نص نقل فيه كلام هشام هذا ، على أنه زعم : أن إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » فهو « جسم لا كالأجسام » : « شيء لا كالأشياء » . ثم أضاف : ثابت ، موجود ، غير مفقود ، ولا معدوم ، خارج عن الحدين : حد الابطال ، وحد التشبيه ( 7 ) وهذا هو الغاية في البعد عن اعتقاد التجسيم ، ونهاية التمسك بالتنزيه . وقد ورد في الحديث نفي القول بالتجسيم عن هشام ، فيما رواه علي بن إبراهيم القمي ، قال : حدثني أبي ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن علي بن موسى الرضا ع ، قال : قال : يا أحمد ، ما الخلاف بينكم ، وبين أصحاب هشام بن الحكم في التوحيد ؟ فقلت : جعلت فداك - قلنا نحن ب « الصورة » للحديث الذي روي أن رسول الله ص رأى ربه صورة شاب . ) * وقال هشام بن الحكم ب « النفي للجسم » . ) * فقال : يا أحمد ، إن رسول الله ص لما أسري به إلى السماء ، وبلغ عند سدرة المنتهى ، خرق له في الحجب مثل سم الإبرة ،
--> ( 1 ) الملل والنحل 1 / 93 . ولنا بحث طويل معهم في هذه المصطلحات ، وموقف حاسم في عقائدهم هذه ، وفقنا الله لنشره . ( 2 ) الملل والنحل : 1 / 93 وقبلها . ( 3 ) في المصدر : « مشتبها » وهو غلط ، كما لا يخفى . ( 4 ) الإلحاد في الشيء : إدخال ما ليس منه فيه . ( 5 ) الفصل 2 / 120 . ( 6 ) الفصل 2 / 118 - 119 . ( 7 ) اختيار معرفة الرجال : 28 رقم 503 .